سيد محمد طنطاوي
224
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
غيرها ، وكونها لذلك في حكم شيء واحد . والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به » « 1 » . وفي ندائه صلى اللَّه عليه وسلم بوصف الرسالة تشريف له وتكريم وتمهيد لما يأمره به اللَّه من وجوب تبليغ ما كلف بتبليغه إلى الناس دون أن يخشى أحدا سواه . لأن اللَّه - تعالى - هو الذي خلقه ورباه وتعهده بالرعاية والحماية . وهو الذي اختاره لحمل هذه الرسالة دون غيره ، فمن الواجب عليه صلى اللَّه عليه وسلم أن يبلغ جميع ما أنزل إليه منه - سبحانه - قال الجمل : وقوله : * ( وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ) * ظاهر هذا التركيب اتحاد الشرط والجزاء ، لأنه يؤول ظاهرا إلى وإن لم تفعل فما فعلت ، مع أنه لا بد وأن يكون الجواب مغايرا للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا اختل الكلام . وقد أجاب عن ذلك ابن عطية بقوله أي : وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ما بلغته غير معتد به فصار المعنى : وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا » « 2 » . وقال صاحب الانتصاف ما ملخصه : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس أنه عظيم شنيع ، ينقم على مرتكبه بل إن عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع ، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول : لما كان الأمر كذلك استغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء ، للصوقها بالجزاء في الأفهام وإن كان من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد ، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز يذكر الشرط عاما بقوله : * ( وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ) * ولم يقل : فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة ، حتى يكون اللفظ متغايرا ، وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحدا - أحسن رونقا ، وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء ، وهذا الفصل كاللباب من علم البيان » « 3 » . هذا ، ومن المعلوم الذي لا خفاء فيه عند كل مسلم ، أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قد بلغ ما أمره اللَّه به البلاغ التام ، وقام به أتم القيام دون أن يزيد شيئا على ما كلفه به ربه أو ينقص شيئا . وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من النصوص التي تشهد بأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قد امتثل أمر اللَّه في تبليغ رسالته ، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة أنها قالت لمسروق : من حدثك أن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل اللَّه عليه فقد كذب .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 956 ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 510 ( 3 ) حاشية الكشاف ج 1 ص 658